Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات بحثية

7 أفكار مثبتة علمياً لكنَّها مرفوضة اجتماعياً


كتبتُ مؤخراً دفاعاً عن إحدى النظريات المرتبطة بالعلوم المعرفية والتي يشكك بها كثيرون، وهي أنَّ عقل الإنسان يشبه الحاسوب، وقد دفعني ذلك إلى التعمُّق أكثر بالأفكار المقبولة إلى حد كبير في أوساط العلماء والخبراء ويرفضها عامة الناس، ولقد وافقت على بعض من الأفكار السبعة الآتية قبل أن أقرأ كثيراً عنها، فقد أكد إجماع الخبراء على صحة وجهة نظري السابقة عن الحياة، وأما بالنسبة إلى باقي الأفكار، فقد وجدتها صادمة واطلعت على كثيرٍ من الأدلة التي تثبت صحتها لأتمكن من الاقتناع بها.

7 أفكار أثبتها العلم ورفضها المجتمع:

1. لا أحد يستطيع التغلب على السوق دون مخاطرة:

تزعم فرضية كفاءة السوق أنَّ أسعار السندات المالية المتداولة على نطاق واسع مثل الأسهم، تفرض قيمتها الحقيقية في السوق؛ وهذا يعني أنَّ المستثمرين لا يستطيعون اكتشاف الصفقات أو الأصول “عالية الأرباح”، واستخدام تلك المعرفة للتفوق على متوسط عائد السوق دون تحمل مزيد من المخاطر.

الآلية الكامنة وراء ذلك بسيطة: لنفترض أنَّ لديك معلومات تفيد بأنَّ أحد الأصول تم تسعيره بشكل خاطئ؛ إذ يشجعك هذا لشراء الأصل أو بيعه على المكشوف على أمل تحقيق عائد أفضل في المستقبل، ولكن هذا الإجراء سيؤدي إلى تعديل سعر الأصل في الاتجاه المعاكس، ليصبح أقرب إلى قيمته الحقيقية، وبشكل عام محاولة المستثمرين التغلب على السوق، وهي ما يجعل التغلب عليه أمراً صعباً؛ لأنَّ السوق في هذه الحالة سيعدل نفسه بنفسه.

لا تشكل فقاعات الأصول (ارتفاع أسعار الأصول بلا مبرر)، وانهيارات أسواق الأوراق المالية دليلاً جيداً ضد هذه الفكرة، لذا انظر إلى كل مَن توقعوا حدوث فقاعة أو انهيار، وكم منهم كسب المال من تنبؤهم؟ أو كم منهم حقق أرباحاً من العملات المشفرة/ العقارات/ الأسهم الصغيرة/ وما إلى ذلك، وقد يكون سبب الربح في هذه الحالة هو وضع أنفسهم في موضع مخاطرة عالية يحتمل الأرباح الكبيرة أو الخسائر الفادحة، والأمر كله تابع للحظ فقط، والنتيجة الواضحة هي أنَّه بالنسبة إلى معظم المستثمرين في سوق التجزئة، فمن الأفضل وضع أموالهم في صناديق المؤشرات الواسعة؛ للحصول على فوائد التنويع وكسب متوسط عائد السوق برسوم قليلة.

2. الذكاء ميزة حقيقية وهامة وهي وراثية إلى حد كبير وغير قابلة للتغيير:

كنت أرفض هذه الفكرة لسنوات عديدة؛ وذلك لأنَّها تتعارض مع معتقداتي بأهمية التثقيف الذاتي والتعليم والتدريب، ولكن الأدلة الآتية كانت دامغة ولا مجال لدحضها:

  • الذكاء هو أحد أكثر المقاييس النفسية صحةً من الناحية العلمية، وأكثر بكثير من دراسة وتحليل الشخصية ومن ذلك تحليل باستخدام مؤشر “مايرز بريغز” (Myers Briggs) المشكوك بأمره.
  • يوجد ترابط إيجابي بينه وبين عديد من الأشياء التي نريدها في الحياة، ومن ذلك السعادة والدخل المادي وطول العمر.
  • يرتبط بالوراثة إلى حد كبير؛ إذ إنَّ “العامل جي G” أو “معدل الذكاء IQ” قابل للتوريث بنسبة تصل إلى 85%.
  • قد يحسِّن عدد محدود جداً من التدخلات معدلَ الذكاء بشكل موثوق إذا ما استثنينا التعليم الإضافي، بالرغم من أنَّه إلى الآن ليس من المؤكد أنَّه يؤدي إلى تحسين معدل الذكاء.

لا أحب الاقتناع بهذه الفكرة، وأرى أنَّه من الألطف الاعتقاد أنَّ اختبارات قياس معدل الذكاء لا قيمة لها أو ليست هامة، وأنَّ الاختلاف في قدرات الأشخاص يرجع إلى البيئة والتعليم، وأنَّ الإنسان يستطيع بالدراسة والاجتهاد أن يزيد من ذكائه، ولكن هذه الفكرة على الرغم من قساوتها إلا أنَّها تحمل جانباً مشرقاً، وبالرغم من صعوبة تغيير الذكاء العام، لكن ثمة أدلة واضحة على أنَّ اكتساب المعرفة والمهارات يحسن القدرة على القيام بجميع أنواع المهام، ومن الناحية العملية أفضل طريقة لتصبح أكثر ذكاءً هي تعلُّم كثير من الأشياء وتنمية كثير من المهارات، حتى لو كانت محددة ولا ترتقي إلى ميزة الذكاء العام الذي نطمح له جميعاً إلا أنَّها هامة جداً للنجاح في الحياة.

شاهد بالفيديو: أنواع الذكاء ومجالات استخدامه

 

3. ما يسمى بأساليب التعلُّم السمعي والبصري والحركي هو بدعة لا أساس لها من الصحة:

من خلال المقابلات الكثيرة التي أجريتها، كان دائماً يُطلَب مني الحديث عن أساليب التعلُّم، وكنت أحرص أن أوضح وبأسلوب لطيف أنَّ هذه النظرية ليست حقيقية، ويمكن لأي شخص التأكد من ذلك من خلال ما يأتي:

  • إجراء استطلاع أو اختبار لمجموعة من الأشخاص لمعرفة أسلوب التعلُّم الخاص بهم.
  • اختيار موضوع محدد وتدريسه بطريقة مختلفة (الرسوم البيانية، الوصف اللفظي، النموذج المادي) تتوافق مع أسلوب الشخص أو تتعارض معه.
  • مراقبة ما إذا كان أداؤهم يتحسن عند اتباع أسلوب يناسبهم أو يتراجع عند اتباع أسلوب لا يناسبهم.

لم تتوصل التجارب الدقيقة لأي تحسن في الأداء بناءً على أسلوب التعليم المتوافق مع الشخص، ومن ثم فإنَّ أساليب التعلُّم ليست نظرية مقنعة، وأعتقد أنَّ جزءاً من سبب شعبية هذه الفكرة هو أنَّها متشابهة مع نظرية توافق الأبراج المحببة لدى الناس، وهذا هو سبب شعبية نظرية “مايرز بريغز” على الرغم من عدم وجود أدلة علمية تدعمها.

لا شك أنَّ بعض الأشخاص ببساطة أفضل في التصور أو الاستماع أو في المهارات اليدوية، ولكن مجرد كونك أفضل في كرة السلة من الرياضيات لا يعني أنَّك ستتعلم حساب التفاضل والتكامل بشكل أفضل إذا حاول المعلم شرحه من خلال رميات ثلاثية.

4. يمكن تفسير كل شيء في الحياة بطريقة فيزياء الكم:

يوضح العالم “شون كارول” (Sean Carroll) وجهة نظر فيزيائية أساسية للعالم، مفادها أنَّ ميكانيك الكم والفيزياء التي وصفتها نظرية النموذج المعياري لا تساعدنا على التنبؤ بالأشياء الكبيرة التي تهمنا، ويمكن أن يكون حساب تأثيرات التفاعلات بين عدد قليل من الجسيمات أمراً صعباً، ولكنَّها من حيث المبدأ قادرة على تفسير مختلف جوانب حياتنا، وأما باقي النظريات الجدلية في الفيزياء، وذلك من نظرية الأوتار إلى التناظر الفائق؛ هي قضايا نظرية ذات صلة فقط بالطاقات المرتفعة للغاية.

5. السعرات الحرارية الزائدة هي السبب الرئيسي للبدانة، ومع ذلك فمن الصعب الحد من تناول الطعام:

إنَّ نموذج حساب السعرات الحرارية الداخلة والخارجة صحيح من الناحية الديناميكية الحرارية، فالأشخاص الذين يعانون من البدانة يعلمون أنَّهم سيفقدون الوزن الزائد عند تقليل السعرات الحرارية الداخلة، ومع ذلك يجدون صعوبة في التنفيذ؛ وذلك لأنَّ دماغهم لديه دوائر عصبية محددة مصممة لتجنب الجوع والفقدان السريع للوزن، ومن ثم عندما تفقد كثيراً من الدهون في الجسم تزيد مستويات الجوع لديك؛ لتشجيعك على استعادتها مرة أخرى، وهذا يعني أنَّ محاولات إنقاص الوزن القائمة على قوة الإرادة لن تحقق الغاية المطلوبة.

إنَّ مفهوم الصحة المثالية مرتبط بشكل وثيق بالوزن المناسب، وهذا ما يفتقر إليه مجتمعنا، فمعظم الأفراد يعانون من مشكلة الوزن الزائد، فربما يفتح الصنف الجديد من أدوية إنقاص الوزن أفقاً جديداً لحل هذه المشكلة بعيداً عن الأساليب المعتمدة على قوة الإرادة، فهي في الغالب لن تحقق الغاية المطلوبة.

6. الأطفال ليسوا أسرع تعلُّماً للغات وإنَّما أكثر إتقاناً لها:

يقول المثل: “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”؛ وأنَّه من الأفضل تعليم اللغات للطفل بعمر مبكر، فالأطفال لديهم قدرة عالية على إتقان أكثر من لغة لدرجة لا يمكن تفريقهم عن المتحدث الأصلي، وهذا من النادر حدوثه عند الكبار، ولكن حتى لو تفوَّق الأطفال على البالغين من ناحية النطق وبناء الجملة، إلا أنَّ سرعة التعلُّم لا علاقة لها بالعمر.

لقد وجدت الدراسات أنَّه عند توافر نفس طريقة التدريس، يكون البالغون أسرع تعلُّماً للغة من الأطفال، ولكنَّهم حتى مع الإتقان والممارسة المستمرة لن يستطيعوا التحدث مثل الناطقين الأصليين، وبرأيي الشخصي أعد هذا دليلاً على أنَّ اكتساب اللغة يتم من خلال نوعين من القدرات؛ الأولى سريعة ومباشرة، وهي عادة تكون أكثر تطوراً عند البالغين والأطفال الكبار، والثانية هي قدرة بطيئة وكامنة، وهي أكثر تطوراً عند الأطفال الصغار، وتراجُع هذه القدرة عند الكبار هو ما يمنعهم من نطق اللغة الجديدة مثل السكان الأصليين.

إذا أردتَ أن يكون طفلك ثنائي اللغة، فمن الأفضل أن تبدأ بتعليمه كلا اللغتين في سن مبكرة؛ لأنَّ الأمر سيتطلب وقتاً مطولاً وليس مجرد حضور حصة أسبوعية مثل طريقة التعليم التقليدية عند الكبار؛ لأنَّك لن تجني فوائد التعلُّم المبكر، ومن المفضل عندها تأجيل تعلُّم اللغة الثانية لعمر أكبر.

7. الحياة الحالية أفضل بكثير من حياة آبائنا وأجدادنا:

ازداد التشاؤم الاقتصادي في الآونة الأخيرة لدرجة أنَّ كل مَن أتحدث معهم يحاولون بشتى الطرائق إثبات أنَّ حياة آبائنا وأجدادنا سابقاً أفضل من حياتنا في الوقت الحالي، وذلك بسبب التكاليف المرتفعة للسكن والدراسة الجامعية، وعدم كفاية راتب الفرد العامل لإعالة أسرته وحده، ولكن كل المؤشرات الاقتصادية تبدو إيجابية إلى حد كبير.

حتى المؤشرات التي يحب النقاد المتشائمون أن يشتكوا منها هي في الغالب تعكس حالة بعض المناطق التي تعاني من ثبات الأجور واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، ولكنَّها لا تعكس بالضرورة تراجعاً عاماً في الاقتصاد، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم أغنى من العالم الذي عاش فيه أجدادنا وأغنى بكثير مما كان عليه قبل قرن.

صحيح أنَّ التقدم الاقتصادي ليس كل شيء ولكنَّه هام جداً، وهذه ليست دعوة للتوقف عن السعي والعمل والاكتفاء بالإنجازات التي حققناها حتى الآن، فما تزال كثير من القضايا في المجتمع تحتاج إلى الإصلاح، ولكن الاعتراف بالأشياء الإيجابية والتقدم الذي وصل له الإنسان يشجعه لاستكمال مهمته في تحقيق مزيد من التطور والتقدم.

في الختام:

يبدو أن هناك الكثير من الأشياء موجودة في حياتنا دون أن نعلم عنها الكثير، منها ما اقتنعنا به بسهولة ومنها ما تم رفضها رغم إثباتها من قبل العلم والنظريات المعرفية، يجب علينا التدقيق أكثر قبل أن نشكك في المعلومات التي تردنا أو في الأشياء التي ربما تحدث معنا مصادفة في الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى