مهارات التواصل

مهارات التواصل في العمل: أهميتها وطرق تحسينها


في الحقيقة يُعَدُّ التواصل من ضرورات الحياة الاجتماعية التي فرضتها الطبيعة على الإنسان دون سائر المخلوقات الأخرى؛ إذ يعيش ضمن وسط اجتماعي ويجب عليه التفاعل معه من أجل بناء العلاقات مع الآخرين والتعاون والتفاهم معهم، ومن ثم نقل المعلومات والخبرات والتجارب وتلبية كافة حاجاته البشرية.

لطالما استخدم الإنسان مهارات الاتصال ليعبِّر عما يجول في داخله ويشعر به وليطرح أفكاره ويبلغ مصالحه كذلك، إضافة إلى الاستفادة مما لدى الآخرين لتطوير أفكاره ومعارفه والتكيف مع الحياة.

إذاً، فالتواصل من الأشياء التي لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها والتي لا بد له من تطويرها وامتلاك مهاراتها التي أصبحت اليوم إحدى أهم الكفاءات التي تزيد من فرصة حصول الإنسان على العمل، وكذلك تزيد من رغبة المنظمات في ضمه إلى فريق العمل لديهم؛ إذ تمثل مهارات التواصل القلب النابض في حياة المنظمات وسر نموها وبقائها، فالعمل الإداري يتطلب نقل المعلومات وتبادلها بين العاملين على اختلاف مستوياتهم.

تؤدي مهارات الاتصال دوراً هاماً وحيوياً داخل أيَّة منظمة، فمهما كانت الوظيفة التي يشغلها الفرد فإنَّها تمارَس من خلال استخدام الاتصال ومهاراته؛ لذا إذا أردت أن تتعرف إلى مهارات التواصل وأهميتها وكيف يمكنك تحسينها، يمكنك متابعتنا في هذا المقال.

أولاً: ما هو المقصود بالتواصل؟ ومن أين تأتي أهميته بالنسبة إلى الإنسان؟

التواصل عبارة عن عملية تفاعلية مستمرة بين شخصين أو أكثر بينهم لغة مشتركة، فهو الوسيلة التي تردم الهوة بين الأفراد وتبني العلاقات المنسجمة والمتناغمة وتصل بهم إلى الفهم المشترك للرموز والمشاركة في الأفكار أو أداء الأعمال، فالتواصل بشكله العام هو الحدث الذي يربط بين طرفين على الأقل هما المرسِل في نقطة معينة والمستقبِل في نقطة أخرى.

إذ يقوم الأول بإرسال رسالة تحتوي على موضوع ما عبر قناة يختارها ويراها مناسبة لإيصال الخبر، وهذه الرسالة يمكن أن تكون معلومات أو خبرات أو غير ذلك، كما يمكن أن تكون لفظية أو غير لفظية، ومهما اختلف نوع الرسالة يبقى الهدف منها واحداً وهو إحداث التأثيرات في أنماط سلوك الأفراد أو أدائهم لتحقيق الأهداف المخططة، ولا ننسى أنَّ عملية التواصل هذه تتضمن مجموعة من النشاطات التي يجب أن تتوفر فيها، ومنها:

1. نشاطات عقلية:

إذ يتعين على المرسل تشكيل رسالته بصورة واضحة؛ وذلك لتوضيح المعنى الذي يريده الطرف الآخر.

2. نشاطات نفسية:

تُعَدُّ الحالة النفسية لدى كل من المرسل والمستقبل هامة لاستقبال الرسالة، وتبعاً للحالة النفسية للمرسل تخرج الرسالة منه، والأمر نفسه بالنسبة إلى المستقبل، وهذا ما يفسر اختلاف استقبالنا للمعلومات ذاتها بمعانٍ مختلفة؛ إذ يحاول كل فرد تفسير ما يقوله الآخر وتحليله واستيعابه.

3. نشاطات اجتماعية:

تختلف لغة التواصل باختلاف المكان الذي يوجد فيه الإنسان، فبالتأكيد اللغة والطريقة التي يستخدمها زملاء الجامعة أو زملاء النادي تختلف عن تلك التي يستخدمها زملاء العمل في المنظمة؛ لذا يجب مراعاة المناخ العام الذي يتم به التواصل.

4. نشاطات سلوكية:

وهذه النشاطات تمثل كل ما يصدر عن الفرد من تصرفات وحركات وتعبيرات جسدية قبل وفي أثناء وبعد عملية التواصل.

تأتي أهمية التواصل في أنَّ الإنسان يقضي أكثر من 70% من وقته في استخدامه سواء أكان طالباً في مدرسة أو جامعة أم موظفاً ضمن منظمة ما أم حتى مع أفراد أسرته وزملائه، كما أثبتت الدراسات التي تنازلت عن الموضوع أنَّ ثمة نسبة تتجاوز 85% من نجاح الفرد على الصعيد الشخصي والعملي يتوقف على مهارات التواصل لديه، فهو يمثل جانباً هاماً من جوانب التطوير والتغير الاجتماعي والعملي للوصول إلى الأهداف التي تخططها المنظمة بشكل مسبق.

قد يُستخدم التواصل عادةً في بيئة العمل لأسباب عدة منها تبادل المعلومات بين المستويات كافة وإعطاء تعليمات العمل للأفراد وتنظيم جهودهم واتباع طريقة محددة في ذلك وتوضيحها أو توضيح وجهة نظر معينة لحث الآخر على القيام بفعل محدد، كما يُستخدم لشرح أهداف المنظمة وخططها ومتابعة ومراقبة أعمالها التي يمارسها العاملون، ناهيك عن بناء الثقة والاحترام بين مختلف الفئات العاملة، ومن ثمَّ بناء المناخ التنظيمي الذي يبعث على رضى العاملين.

شاهد بالفيديو: كيف تبني علاقات عمل جيّدة؟

 

ثانياً: متى يكون التواصل فعالاً؟

يكون التواصل فعالاً وناجحاً عندما تنتقل الأفكار والمشاعر والخبرات والمعلومات من المرسل وتصل حية وصادقة وبشكلها الصحيح الذي أراد المرسل التعبير عنه إلى المستقبل؛ لذا يجب أن تتوفر صفات محددة في عملية التواصل لكي تحقق النفع والمتعة في آنٍ معاً، ومن هذه الصفات:

1. الوضوح:

ينبغي أن تكون الرسالة التي يرغب المرسل في إيصالها إلى المستقبل واضحة المعاني بحيث يسهل فهمها من قِبل المستقبل وينجح المرسل بتحقيق الهدف منها.

2. البساطة:

أن يتم التواصل بشكل بسيط خالٍ من التعقيد لكي تصل الرسالة بأسرع وقت وتكون واضحة المعاني والمقاصد لدى المستقبل.

3. عدم التعارض:

حتى لو تم استخدام أكثر من وسيلة في التواصل يجب الحرص على عدم تعارضها وأن يكون الغرض منها واحداً.

4. الاختصار:

يجب أن تكون الرسالة مختصرة خالية من الإسهاب الذي يمكن أن يفقد الرسالة معناها أو يُشعر الطرف المستقبل بالملل والضجر وكذلك حتى لا يشتت انتباهه فتفقد الهدف الأساسي.

5. الواقعية:

يجب أن تتحلى الرسالة بالواقعية حتى تبعث الثقة في قلب المتلقي.

6. الكمال:

يجب أن تكون الرسالة كاملة بحيث تحمل كل ما تريد أن تبلغه للمستقبل.

7. الملاءمة:

يجب أن يكون التواصل ملائماً ومناسباً من حيث الوقت والتنفيذ.

ثالثاً: أشكال التواصل في العمل

عادة يتم تقسيم أشكال التواصل في العمل إلى ثلاثة أنواع رئيسة وهي:

1. التواصل الكتابي:

هي الطريقة المسجلة التي تُستخدم بصفتها طريقة قانونية في العمل؛ إذ يقضي الفرد جزءاً لا بأس به في سبيل إعدادها وصياغتها وكتابتها، ويمكن أن تستهدف فرداً بعينه أو جمهوراً كبيراً، ومثال هذا النوع التعميمات والتقارير والكتب الرسمية والخطابات وغير ذلك.

2. التواصل اللفظي:

هنا يتم التواصل بين المرسل والمستقبل بطريقة مباشرة، كأن يجلسان معاً في العمل أو بطريقة غير مباشرة عبر الهاتف أو الإنترنت أو غيرها من الوسائل، ومن نوعها الاجتماعات والندوات واللقاءات الشخصية، وغالباً يكون الهدف منها اقتراح الخطط وإيجاد الحلول لمشكلات المنظمة.

3. التواصل غير اللفظي:

يكون عبر استخدام لغة الجسد من حركات وإشارات وتعبيرات لكي يستطيع الإنسان التعبير عن فكرة محددة.

شاهد بالفيديو: 9 طرق لتحسين مهارات التواصل

 

رابعاً: أنواع مهارات التواصل في العمل

1. مهارة الاستماع والإنصات:

لا شك في أنَّ السمع هو مفتاح الفهم والتأثر والإنصات؛ إذ يمثل عنصر الاهتمام وتركيز الانتباه على ما يسمع لبلوغ هدف محدد، فهو يمثل الاتجاه نحو الآخرين واستيعاب ما يحاولون التعبير عنه، والمستمع الجيد هو الذي يحاول أن يسمع كل شيء يقال ولا يقتصر على سماع ما يريد.

يجب أن نميز بين السمع والاستماع؛ فالسمع هو حاسة فطرية وهبنا هي الله عز وجل؛ إذ نسمع الأصوات تلقائياً، أما الاستماع فيرتبط بمدى انتباه الفرد إلى المعاني المتضمنة في كلام المرسل، والإنصات هو استخدام العقل لتفسير الكلام المسموع بحيث يدرك المعاني المقصودة، ومن صفات المستمع الجيد الاهتمام بما يسمع واحترام المتكلم واتباع آداب الاستماع والإنصات لما يسمع ويحفظه في ذاكرته والابتعاد عن معوقات الانتباه.

2. مهارة التحدث والحوار والإقناع:

التحدث ليس بالعملية السهلة، فلا بد للمتكلم قبل الشروع بالتحدث أن يحدد الموضوع الذي يريد أن يتكلم به بدقة، إضافة إلى الهدف الذي يبتغيه من كلامه، ثم عليه أن يختار الكلمات والألفاظ والجمل والعبارات التي توضح ما يريد، مع الانتباه إلى أنَّ مهارات التحدث ترافقها مهارات لغة الجسد والقدرة على جذب الجمهور ومواجهته، إضافة إلى ضبط الحوار وعدم الخروج عن الموضوع وإشراك الآخرين في الحوار والقدرة على إقناعهم وسوى ذلك من المهارات التي سوف نذكرها تباعاً.

3. مهارة القراءة:

لا تتوقف القراءة على قراءة الكلمات الظاهرة كما كان في السابق؛ بل أصبحت اليوم تتطلب الغور فيما وراء السطور الظاهرة واكتشاف ما لم يصرح عنه، وتتطلب مهارة القراءة الوضوح في الصوت ومراعاة قواعد اللغة.

4. مهارة الكتابة:

هي المهارة المناسبة لاستخدام وتمرير المعلومات المنظمة التي تسهل على القارئ فهمها دون استخدام شروحات إضافية، وتوجد مجموعة من الأساسيات التي يجب أن تُتَّبَع في التواصل الكتابي مثل الكتابة البسيطة الدقيقة وبصيغة الإيجاب، وتجنُّب الصياغة السلبية والكلمات التي لا معنى لها والتي يمكن أن تجعل القارئ في حيرة، ولا ننسى قواعد الإملاء السليمة وغيرها من قواعد الكتابة مثل علامات الترقيم.

5. مهارة لغة الجسد:

تُعَدُّ لغة الجسد جوهر عملية التواصل، ففي الكثير من الأحيان لا تكفي الكلمات للتعبير الصحيح عن الانفعالات، فحقيقة الانفعالات والمشاعر تصل إلينا بواسطة لغة الجسد التي تشمل كل ما يظهر على الإنسان من تعبيرات غير لفظية، وتجدرُ الإشارة قبل الخوض في تفاصيل لغة الجسد إلى أنَّ هذه الدلالات تختلف باختلاف الشعوب والمجتمعات.

ومن أبرز دلالات لغة الجسد:

1. التواصل البصري:

أي النظرة المتبادلة بين كل من المرسل والمستقبل التي تشير إلى الإنصات بإمعان واهتمام، إضافة إلى حركة العين التي تؤدي دوراً كبيراً في استمرارية التواصل أو إيقافها، ولعملية التواصل البصري وظائف عدة منها تنظيم سير المحادثة؛ أي بدؤها وانتهاؤها وملاحظة التغذية الراجعة ونقل حقيقة المشاعر وإظهار الرغبة الحقيقية للشخص في التواصل.

2. لغة الأيدي:

لغة تعبيرية تُستخدم استخداماً كبيراً، فمثلاً وضع السبابة على الفم للدلالة على الطلب من الآخر السكوت.

3. التقارب المكاني:

يتضمن مكان وقوف المرسل ومكان جلوسه ومدى قربه من الأفراد، فمن دلالات التقارب المكاني الاقتراب من أحد الأفراد غير المنتبه إلى الحديث لحثه على الانتباه.

4. تعبيرات الوجه:

كالابتسامة التي تشير إلى السعادة والسرور، والعبوس الذي يشير إلى حالة من عدم الرضى.

5. الدلالات الرمزية للشخصية:

مثل ارتداء الملابس المناسبة لكل مناسبة واختيار الوقت المناسب لبدء حديث مع شخص آخر والاهتمام بالمظهر والنظافة الشخصية.

6. مهارة المعاملة:

يجب أن تتسم معاملة الإنسان للآخرين بالمرونة، ففي بيئة العمل يضطر الموظف دائماً إلى التعامل مع الآخرين، ومن هذه المهارات الحفاظ على الهدوء والسلام مع العاملين والسؤال عن أحوالهم.

خامساً: ما الذي يجب أن نفعله ضمن بيئة العمل لتطوير مهارات التواصل فيها؟

  • استخدم العبارات المفتوحة خلال الحديث لكي تسمح للطرف الآخر بالمشاركة في الحديث وإبداء رأيه، كأن تقول: “ما رأيك في أن أنفذ العمل بهذه الطريقة؟”، بدلاً من القول: “لا أريد لأحد أن يتدخل في عملي”.
  • دع للطرف الآخر الفرصة لكي يشارك في الحديث وإبداء رأيه بكل حرية ولا تقاطعه مهما كانت وجهة نظره بالنسبة إليك.
  • ابتعد عن الانتقاد قدر الإمكان وحاول أن تجد طريقة لإيصال أفكارك دون تجريح مشاعر الآخرين وأفكارهم، وإذا كنت أنت من يتعرض للانتقاد فحاول تقبل ذلك برحابة صدر دون إحداث مشكلات أو إظهار انزعاج، وإذا أردت انتقاد فرد ما يجب أن يكون النقد موجهاً نحو السلوك وليس الشخص.
  • أظهر الاحترام والتعاطف للآخرين.
  • شارك بالحوار الدائر حتى لو كان الموضوع لا يدخل ضمن اهتماماتك الشخصية، وابتعد عن التشعب في الموضوع أو طرح موضوعات عدة في وقت واحد.
  • استخدم الأدلة لإثبات وجهة نظرك.
  • حافظ على تعابير لغة الجسد الإيجابية كالابتسامة والتواصل البصري في أثناء الحديث، واستخدم الرأس للإيماء بالموافقة أو النفي وانتبه جيداً إلى نبرات صوتك بحيث لا تكون منخفضة غير مسموعة أو مرتفعة بشكل مزعج للآخرين.
  • اهتم بمظهرك ونظافتك الشخصية وبنمط ملابسك واجعله مناسباً لمكان العمل أو الرحلات ضمن العمل.
  • نظم وقت عملك واختر الوقت المناسب لبدء حديث مع الآخرين.
  • شارك الآخرين من زملاء العمل في مناسباتهم الاجتماعية واعتذر منهم عندما تقصر في واجبك تجاههم وساعدهم قدر المستطاع.

في الختام:

يمثل التواصل القدرة غير الملموسة التي يمتلكها الفرد والتي تمثل أداة هامة في التطوير والتغيير والتفاعل بين الأفراد والجماعات في الأماكن المختلفة وليس فقط بيئة العمل، ونظراً لهذه الأهمية أصبح امتلاك مهارات الاتصال يمثل نقطة قوة للفرد، ولكنَّ امتلاكها ليس بالمسألة السهلة فهي عبارة عن عملية معقدة متشابكة تُستخدم فيها الرموز والألفاظ والمؤثرات الصوتية والإلقاء وحركات الجسد وغير ذلك لإيصال رسالة معينة بنجاح بين طرفين على الأقل.

مهارات الاتصال عامل هام ليس فقط في استمرار المنظمة والحياة فيها؛ بل لاستمرار المجتمعات والحياة الإنسانية فيها؛ لذا من الواجب إيلاؤها الاهتمام المناسب وتطويرها باستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى